من عرف نفسه فقد عرف ربه..

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين

في معنى قول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم –: “مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه”

محيي الدين إبن عربي

الحمد لله الذي لم يكن قبل وحدانيته قبلُ إلا والقبل هو، ولم يكن بعد فردانيَّته بَعْدُ إلا والبَعْد هو. كان ولا بَعْد معه ولا قبل، ولا فوق ولا تحت، ولا قُرْب ولا بُعْد، ولا كيف، ولا أين ولا حين، ولا أوان ولا وقت ولا زمان، ولا كون ولا مكان، وهو الآن كما كان.

هو الواحد بلا وحدانية، وهو الفرد بلا فردانية. ليس مركَّبًا من الاسم والمسمَّى: هو الأول بلا أولية وهو الآخِر بلا آخِرية، وهو الظاهر بلا ظاهرية وهو الباطن بلا باطنية؛ أعني أنه هو وجود حروف “الأول” وهو وجود حروف “الآخِر”، وهو وجود حروف “الباطن” وهو وجود حروف “الظاهر”. فلا أول ولا آخِر ولا ظاهر ولا باطن إلا وهو بلا صيران. هذه الحروف وجوده، وصيران وجوده هذه الحروف. – فافهم هذا لئلا تقع في غلط الحلولية.

لا هو في شيء، ولا شيء فيه، لا داخلاً ولا خارجًا. ينبغي أن نعرفه بهذه الصفة، لا بالعلم ولا بالعقل، ولا بالفهم ولا بالوهم ولا بالعين، ولا بالحسِّ الظاهر ولا بالعين الباطن ولا بالإدراك. لا يراه إلا هو، ولا يدركه إلا هو، ولا يعلمه إلا هو بنفسه، وبنفسه يعرف نفسه؛ يرى نفسه، لا يراه أحدٌ غيره.

حجابه وحدانيته، فلا يحجبه شيءٌ غير حجابه. وجوده وحدانيته، تستَّر بوحدانيته بلا كيفية. لا يراه أحدٌ غيره: لا نبي مرسل، ولا ولي كامل، ولا مَلَك مقرَّب يعرفه. نبيُّه هو، ورسوله هو، ورسالته هو، وكلامه هو: أرسلَ نفسَه بنفسه من نفسه إلى نفسه، لا واسطة ولا سبب غيره، ولا تفاوُت بين المرسِل والمرسَل به والمرسَل إليه. وجود حروف الثناء وجوده لا غير، لا ثناؤه ولا اسمه ولا مُسمَّاه.

ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم –: “عرفت ربِّي بربِّي، مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه. وقال – صلى الله عليه وسلم –: “عرفت ربِّي بربِّي.” أشار – صلى الله عليه وسلم – بذلك أنك لست أنت، <بل> أنت هو بلا أنت: لا هو داخل فيك ولا هو خارج منك، ولا أنت خارج منه ولا أنت داخل فيه؛ ولا بذلك أنك موجود وصفتك هكذا أبدًا: غني به. إنك ما كنت قط ولا تكون، لا بنفسك ولا فيه ولا معه، ولا أنت فانٍ ولا موجود. أنت هو، وهو أنت، بلا علَّة من هذه العلل. فإن عرفتَ وجودك بهذه الصفة فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.

*تعليق: أغلب الظن أنه ليس بحديث، بل هو كلام يُنسَب إلى يحيى بن معاذ الرازي. لكن ابن عربي لا يأبه كثيرًا لإسناد الحديث، بل يعوِّل على خبرته الروحية للتأكد من صحة معناه، يقول: “قد صحَّ لدينا تحققًا.”

وأكثر العُرَّاف أضافوا معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وفناء الفناء– وذلك غلط وسهو واضح: فإن معرفة الله – تعالى – لا تحتاج إلى فناء الوجود ولا إلى فناء فنائه، لأن الشيء لا وجود له، وما لا وجود له لا فناء له؛ فإن الفناء بعد إثبات الوجود. فإذا عرفت نفسك بلا وجود ولا فناء فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.

وفي إضافة معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وإلى فناء فنائه إثباتُ الشرك، لأنك إذا أضفت معرفة الله إلى فناء الوجود وفناء الفناء، كان الوجود لغير الله ونقيضه – وهناك شرك واضح، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه”، ولم يقل: “مَن فني عن نفسه عرف ربَّه.” فإن إثبات الغير يناقض فناءه، وما لا يجوز ثبوتُه لا يجوز فناؤه. وجودك لا شيء، واللاشيء لا يُضاف إلى شيء، لا فانٍ ولا غير فانٍ، ولا موجود ولا معدوم. <أنت> الآن كما كنتَ معدَمًا قبل التكوين. فالآن الأزل، والآن الأبد، والآن القِدَم. فالله هو وجود الأزل ووجود الأبد ووجود القِدَم؛ فإنه بلا وجود الأزل والأبد والقِدَم لم يكن كذلك ما كان وحده لا شريك له. وواجب أن يكون وحده لا شريك له: فإن “شريكه” هو الذي يكون وجودُه بذاته، لا بوجود الله؛ ومَن يكن كذلك لم يكن محتاجًا إليه، فيكون إذًا ربًّا ثانيًا – وذلك محال: فليس لله شريك ولا ندٌّ ولا كفؤ. ومَن رأى شيئًا مع الله أو من الله أو في الله – وذلك الشيء يحتاج إلى الله بالربوبية – فقد جعل ذلك الشيء أيضًا شريكًا يحتاج إلى الله بالربوبية. ومن جوَّزَ أن يكون مع الله شيءٌ يقوم بنفسه، أو يقوم به، أو هو فانٍ عن وجوده أو عن فنائه، فهو بعدُ ما شمَّ رائحة معرفة النفس، لأن مَن جوَّزَ أن يكون موجودًا سواه، قائمًا به، فيه يصير فانيًا في فنائه، فتسلسل الفناء بالفناء، – وذلك شِرْك بعد شِرْك، وليس بمعرفة النفس، – هو مُشْرِك، لا عارف بالله ولا بنفسه.

فإنْ قال قائل: “كيف السبيل إلى معرفة النفس وإلى معرفة الله؟”، فالجواب: سبيل معرفتها أن تعلم وتتحقق أن الله – عزَّ وجل – كان ولم يكن معه شيء، وهو الآن كما كان. فإنْ قال قائل: “أنا أرى نفسي غير الله، ولا أرى الله نفسي”، فالجواب: أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – بـ”النفس” وجودَك وحقيقتك، لا النفس المسمَّاة بـ”الأمَّارة” و”اللوَّامة” و”المطمئنة” [يوسف 53، القيامة 2، الفجر 27]؛ بل أشار بـ”النفس” إلى ما سوى الله جميعًا، كما قال – صلى الله عليه وسلم –: “اللهم أرِني الأشياء كما هي”: عبَّر بالأشياء عما سوى الله – سبحانه وتعالى –، أي عرِّفْني ما سواك لأعلم وأعرف الأشياء أيَّ شيء هي: أهي أنت أم غيرك، أهي قديم باقٍ أم حادث فانٍ؟ فأراه الله – تعالى – ما سواه نفسَه بلا وجود ما سواه، فرأى الأشياء “كما هي”؛ أعني الأشياء ذات الله – تعالى – بلا كيف ولا أين.

واسم الأشياء يقع على النفس وغيرها من الأشياء. فإن وجود النفس ووجود الأشياء سيَّان في الشيئية: فمتى عرف الأشياءَ عرف النفس، ومتى عرف النفسَ فقد عرف الربَّ، لأن الذي يظن أنَّـ<ـه> سوى الله ليس هو سوى الله. ولكنك لا تعرف وأنت تراه، ولا تعلم أنك تراه. ومتى يكشف لك هذا السر، علمتَ أنك لست ما سوى الله، وعلمت أنك كنت مقصودًا، وأنك لا تحتاج إلى الفناء، وأنك لم تزل ولا تزال، بلا حين ولا أوان، كما ذكرنا قبل. جميع صفاته صفاتك، وترى ظاهرَك ظاهرَه وباطنَك باطنَه، وأولك أولَه وآخِرَك آخِرَه، بلا شك ولا ريب؛ وترى صفاتِك صفاتِه وذاتَك ذاتَه، بلا صيرورتك إيَّاه وصيرورته إيَّاك، ولا بقليل ولا بكثير.

“كلُّ شيء هالكٌ إلا وجَهه” [القصص 88]، بالظاهر والباطن، يعني: لا موجود إلا هو؛ ولا وجود لغيره فيحتاج إلى الهلاك. و”يبقى وجهُه” [الرحمن 27] يعني: لا شيء إلا وجهه. فكما أن مَن لم يعرف شيئًا، ثم عَرَفَه، ما فني وجودُه بوجود آخر، ولا تركَّب وجودُ المُنكِر بوجود العارف، ولا تداخَل بالأثر. <هنا> يقع الجهل: فلا تظن أنك تحتاج إلى الفناء؛ فإن احتجت إلى الفناء فأنت إذًا حجابه – والحجاب غير الله؛ فليزم غلبةُ غيره عليه بالدفع عن رؤيته له. – وهذا غلط وسهو.

قد ذكرنا قبل أن حجابه وحدانيته وفردانيَّته لا غير. ولهذا أجاز للواصل إلى الحقيقة أن يقول: “أنا الحق” وأن يقول: “سبحاني”. وما وصل واصلٌ إليه إلا ورأى صفاتِه صفاتِ الله، وذاتَه ذاتَ الله، بلا كون صفاتُه ولا ذاتُه داخلاً في الله أو خارجًا منه قط، ولا أنه فانٍ من الله أو باقٍ في الله، <أو> يرى نفسه أنْ لم يكن له <وجود> قط لأنه كان ثم فني؛ فإنه لا نفس إلا نفسه، ولا وجود إلا وجوده. وإلى هذا أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: “لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر”، ونزَّه الله – تبارك وتعالى – عن الشريك والند والكفؤ.

ورُوِيَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “إن الله – تعالى – قال: يا ابن آدم، مرضتُ ولم تَعُدْني، وسألتكَ ولم تُعطِني”: أشار إلى أن وجودَ السائل وجودُه، ووجودَ المريض وجودُه. فمتى جاز أن يكون وجودُ السائل وجودَه ووجودُ جميع الأشياء من المكوَّنات من الأعراض والجواهر وجودَه، ومتى ظهر سرُّ ذرة من الذرات، ظهر سرُّ جميع المكوَّنات الظاهرة والباطنة؛ ولا نرى الذرين سوى الله، بلا وجود الذرين، اسمهما ومسمَّاهما، بل اسمهما ومسمَّاهما ووجودهما كلهما هو، بلا شك ولا ريب.

ولا ترى أنه – تعالى – خلق شيئًا قط، بل ترى “كلَّ يوم هو <في> شأنٍ” [الرحمن 29] من إظهار وجوده وإخفائه بلا كيفية، لأنه “هو الأول والآخِر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيء عليم” [الحديد 3]: ظهر بوحدانيته وبَطُنَ بفردانيَّته، وهو الأول بذاته وقيوميَّته وهو الآخِر بديموميَّته. وجود حروف “الأول” هو ووجود حروف “الآخِر” هو، ووجود حروف “الظاهر” هو ووجود حروف “الباطن” هو؛ هو اسمه وهو مسمَّاه.

وكما يجب وجودُه يجب عدمُ ما سوى: فإن الذي تظن أنه سواه ليس سواه، – تَنَزَّه أن يكون غيره، – بل غيرُه هو، بلا غيرية الغير، مع وجوده وفي وجوده، ظاهرًا وباطنًا.

ولِمَنِ اتصف بهذه الصفة أوصافٌ كثيرة لا حدَّ ولا نهاية لها. فكما أن مَن مات بصورته انقطع جميعُ أوصافه عنه، المحمودة والمذمومة، كذلك مَن مات بالموت المعنوي ينقطع عنه جميعُ أوصافه، المذمومة والمحمودة، ويقوم الله – تعالى – مقامَه في جميع الحالات، فيقوم مقامَ ذاته ذاتُ الله – تعالى – ومقامَ صفاته صفاتُ الله – تعالى –. ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: “موتوا قبل أن تموتوا”، أي اعرفوا أنفسكم قبل أن تموتوا؛ وقال – صلى الله عليه وسلم –: “قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه، فإذا أحببتُه كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا”، إلى آخره، فأشار إلى أن مَن عرف نفسه يرى جميع وجوده، ولا تغيرًا في ذاته ولا صفاته. ولا يحتاج إلى تغيُّر صفاته، إذ لم يكن هو وجود ذاته، بل كان جاهلاً بمعرفة نفسه. فمتى عرفتَ نفسَك ارتفعتْ أنانيتُك، وعرفت أنك لم تكن غير الله. فإنْ كان لك وجود مستقل، لا يحتاج إلى الفناء ولا إلى معرفة النفس، فتكون ربًّا سواه. فتبارك الله – تعالى – أن يوجَد ربٌّ سواه.

ففائدة معرفة النفس أن تعلم وتحقِّق أن وجودك ليس موجودًا ولا معدومًا، ولست كائنًا ولا كنت ولا تكون قط. ويظهر لك بذلك معنى “لا إله إلا الله” [الصافات 35]: إذ لا إله غيره، ولا وجود لغيره؛ فلا غير سواه، ولا إله إلا إيَّاه. فإن قال قائل: “عطَّلتَ ربوبيتَه”، فالجواب: لم أعطِّل ربوبيته لأنه لم يزل ربًّا – ولا مربوب – ولم يزل خالقًا – ولا مخلوق –، وهو الآن كما كان. أترى خلاقته وربوبيته لا تحتاج إلى مخلوق ولا إلى مربوب: فهو بتكوين المكوَّنات كان موصوفًا بجميع أوصافه، وهو الآن كما كان. فلا تفاوُت بين الجهة والقِدَم: فوحدانية الجهة مقتضى ظاهريته، ووحدانية القِدَم مقتضى باطنيَّته. ظاهرُه باطنُه وباطنُه ظاهرُه، أولُه آخِرُه وآخِرُه أولُه، والجميع واحد والواحد جميع. كان صفته “كلَّ يوم هو في شأنٍ”، وما كان شيء سواه، وهو الآن كما كان. ولا موجود لما سواه بالحقيقة، كما كان في الأزل والقِدَم. “كل يوم هو في شأن”، ولا شيء موجود: فهو الآن كما كان. فوجودُ الموجودات وعدمُها سيَّان – وإلا لَلَزِمَ طيران طار لم يكن في وحدانيَّته، وذلك نقص. – وجلَّت وحدانيته عن ذلك.

ومتى عرفت نفسَك بهذه الصفة، من غير إضافة ضدٍّ أو ندٍّ أو كفؤ أو شريك إلى الله – تعالى – فقد عرفتَها بالحقيقة. ولذلك قال – صلى الله عليه وسلم –: “مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه”، ولم يقل: “مَن أفنى نفسَه فقد عرف ربَّه.” فإنه – صلى الله عليه وسلم – علم ورأى أن لا شيء سواه، ثم أشار إلى أن معرفة النفس هي معرفة الله – تعالى –، أي اعرف نفسك، أي وجودك أنك لست أنت، ولكنك لا تعرف؛ أي اعرف أن وجودك ليس بوجودك ولا غير وجودك: فلست بموجود ولا بمعدوم، ولا غير موجود ولا غير معدوم. وجودُك وعدمُك وجودُه بلا وجود ولا عدم، لأن عينَ وجودك وعدمك وجودُه، ولأن عينَ وجوده وجودُك وعدمُك.

فإنْ رأيتَ الأشياء بلا رؤية شيء آخر مع الله – تعالى – وفي الله أنها هو، فقد عرفتَ نفسَك. فإن معرفة النفس بهذه الصفة هي معرفة الله – بلا شك ولا ريب ولا تركيب شيء من الحدث مع القديم وفيه وبه. فإن سألك سائل: “كيف السبيل إلى وصاله؟ – فقد أثبتَّ أن لا غير سواه، والشيء الواحد لا يصل إلى نفسه”، فالجواب: لا شكَّ أنه في الحقيقة لا وَصْل ولا فَصْل، ولا بُعْد ولا قُرْب، لأنه لا يمكن الوصال إلا بين اثنين: فإن لم يكن إلا واحد، فلا وَصْل ولا فَصْل. فإن الوصال يحتاج إلى اثنين متساويين: فهما شبهان، وإن كانا غير متساويين فهما ضدَّان؛ وهو – تعالى – منزَّه أن يكون له ضد أو ند. فالوصال في غير الوصال، والقُرْب في غير القُرْب، والبُعد في غير البُعد، فيكون وَصْلٌ بلا وَصْل، وقُرْب بلا قُرْب، وبُعْد بلا بُعْد.

فإن قيل: “فهمنا الوَصْلَ بلا وَصْل. فما معنى القُرْب بلا قُرْب والبُعْد بلا بُعْد؟”، فالجواب: أعني أنك، في أوان القُرْب والبُعْد، لم تكن شيئًا سواه، ولكنك لم تكن عارفًا بنفسك ولم تعلم أنك هو بلا أنت. فمتى وصلتَ إلى الله – تعالى –، أي عرفتَ نفسَك بلا وجود حروف العرفان، علمتَ أنك كنت إيَّاه، وما كنت تعرف قبل أنك هو أو غيره. فإذا حصل العرفان، علمتَ أنك عرفت الله بالله، لا بنفسك.

مثال ذلك: هَبْ بمعنى أنك لا تعرف بأن اسمك محمود أو مسمَّاك محمود – فإن الاسم والمسمَّى في الحقيقة واحد –، وتظن أن اسمك محمد، وبعد أحيان عرفت أنك محمود، فوجودك باقٍ، واسم محمد ومسمَّى المحمود ارتفع عنك بمعرفتك نفسك أنك محمود. (ولم تكن محمدًا إلا بالفناء عن نفسك، لأن الفناء يكون بعد إثبات وجود ما سواه؛ ومَن أثبت وجودَ ما سواه فقد أشرَكَ به – تبارك وتعالى.) فما نقص من المحمود شيء، ولا محمد فني في المحمود، ولا دخل فيه ولا خرج منه، ولا حلَّ محمود في محمد. فبعدما عرف المحمودُ نفسَه أنه محمود، لا محمد، عرف نفسَه بنفسه، لا بمحمد، لأن محمدًا ما كان، فكيف يعرف به شيئًا كائنًا؟ فإذن العارف والمعروف واحد، والواصل والموصول واحد، والرائي والمرئي واحد. فالعارف صفتُه والمعروف ذاتُه، والواصل صفتُه والموصول ذاتُه، والصفة والموصوف واحد.

هذا بيان “مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّه”: فمَن فهم هذا المثال علم أنه لا وَصْل ولا فَصْل، وعلم أن العارف هو والمعروفَ هو، والرائي هو والمرئي هو، والواصل هو والموصول هو. فما وصل إليه غيرُه، وما انفصل عنه غيرُه. فمَن فهم ذلك خلص من شَرَك الشِّرْك. – وإلا فلم يشم رائحة الخلاص من الشرك.

وأكثر العُرَّاف الذين ظنوا أنهم عرفوا نفوسهم وعرفوا ربَّهم، وأنهم خلصوا من غفلة الوجود، قالوا إن الطريق لا تتيسَّر إلا بالفناء وبفناء الفناء، وذلك لعدم فهمهم قولَ النبي – صلى الله عليه وسلم – ولظنِّهم أنهم – بمحض الشرك – أشاروا طورًا إلى نفي الوجود، أي فناء الوجود، وطورًا إلى الفناء، وطورًا إلى فناء الفناء، وطورًا إلى المحو، وطورًا إلى الاصطلام– وهذه الإشارات كلها شِرْك محض: فإن مَن جوَّز أن يكون شيءٌ سواه ويفنى بعده، وجوَّز فناءَ فنائه، فقد أثبت شيئًا سواه؛ ومَن أثبت شيئًا سواه فقد أشرك به – تعالى –. – أرشدهم الله وإيَّانا إلى سواء السبيل.

شعر

ظنـنتَ ظـنـونًـا بأنَّـك أنـتَ * ومـا أن تكـونَ ولا قـط كنـتَ
فـإنْ أنـت أنـتَ فـإنَّــك ربٌّ * وثـانـي اثنـيـن، دَعْ ما ظننتَ
فـلا فـرق بيـن وجـوديـكمـا * فمـا بـانَ عنك ولا عنـه بِنْـتَ
فإن قلتَ – جهلاً – بأنَّـك غيـرَه * حَسُنْتَ، وإنْ زال جـهـلُك كُنـتَ
فوصـلُك هَجْـرٌ وهجـرُك وَصْـلٌ * وبُعدُك قُـرْب – بهـذا حَـسُـنْتَ
دَعِ العقـلَ وافهمْ بنـور انكـشـ * ـافٍ – ليلى تفوقُ ما عنه وصفتَ
ولا تُـشْـرِكْ مــع الله شـيـئًا * لئـلاَّ تهـونَ – فالشـرك هُـنْتَ

فإنْ قال قائل: “أنت تشير إلى أن عرفانك نفسَك هو عرفان الله – تعالى –، والعارف بنفسه غير الله، وغير الله كيف يعرف الله وكيف يصل إليه؟”، فالجواب: مَن عرف نفسَه علم أن وجوده ليس بوجوده ولا غير وجوده، بل وجودُه وجود الله بلا صيرورة، وجودُه وجود الله بلا دخول، وجودُه في الله ولا خروج منه. ولا يكون وجودُه معه وفيه، بل يرى وجودَه بحاله: ما كان قبل أن يكون، بلا فناء، ولا محو، ولا فناءِ فناء. فإن فناء الشيء بقدرة الله – تعالى –؛ وهذا محالٌ واضح صريح. فتبيَّن أن عرفان العارف بنفسه هو عرفان الله – سبحانه وتعالى – نفسُه، لأن نفسه ليس إلا هو. وعنى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بـ”النفس” الوجود. فمَن وصل إلى هذا المقام، لم يكن وجودُه في الظاهر والباطن وجودَه، بل وجودُه وجود الله، وكلامُه كلام الله، وفعلُه فعل الله، ودعواه معرفة الله هو دعواه معرفة الله نفسَه بنفسه. ولكنك تسمع الدعوى منه، وترى الفعل منه، وترى غير الله كما ترى نفسَك غير الله، بجهلك بمعرفة نفسك. فإن “المؤمن مرآة المؤمن”: فهو بعينه، أي ينظره؛ فإن عينَه عينُ الله، ونظرَه نظرُ الله بلا كيفية: لا هو هو بعينك أو علمك أو فهمك أو وهمك أو ظنك أو رؤيتك، بل هو هو بعينه وعلمه ورؤيته. فإنْ قال قائل: “إنِّي الله، فإن الله يقول: إنِّي الله”، فالجواب: لا هو، ولكنك ما وصلتَ إلى ما وصل إليه؛ فإنْ وصلتَ إلى ما وصل إليه، فهمتَ ما يقول، وقلتَ ما يقول، ورأيتَ ما يرى.

وعلى الجملة، وجودُ الأشياء وجودُه بك، بلا وجودهم. فلا تقضِ في شُبهة، ولا تتوهمنَّ بهذه الإشارات أن الله مخلوق. فإن بعض العارفين قال: “الصوفي غير مخلوق”، وذلك بعد الكشف التام وزوال الشكوك والأوهام. وهذه اللقم لمَن له خَلْقٌ أوسع من الكونين؛ فأما مَن كان خَلقُه كالكونين فلا توافقْه، فإنها أعظم من الكونين.

وعلى الجملة أن الرائي والمرئي، والواجِد والموجود، والعارف والمعروف، والموحِّد <والموحَّد>، والمدرِك والمدرَك واحد: هو يرى وجودَه بوجوده، ويعرف وجودَه بوجوده، ويدرك وجودَه بوجوده، بلا كيفية إدراك ورؤية ومعرفة، وبلا وجود حروف صورة الإدراك والرؤية والمعرفة. فكما أن وجوده بلا كيفية، فرؤية نفسه بلا كيفية، وإدراكه نفسه بلا كيفية، ومعرفة نفسه بلا كيفية.

فإنْ سأل سائل وقال: “بأيِّ نظر تنظر إلى جميع المكروهات والمحبوبات؟ فإذا رأينا، مثلاً، روثًا أو جيفة أنقول هو الله؟”، فالجواب: تعالى وتقدَّس حاشا ثم حاشا أن يكون شيئًا من هذه الأشياء! وكلامنا مع مَن لا يرى الجيفةَ جيفةً والروثَ روثًا، بل كلامُنا مع مَن له بصيرة وليس بأكْمَه. فمَن لم يعرف نفسه فهو أكْمَه وأعمى؛ وقبل ذهاب الأكْمَهية والعَمى، لا يصل إلى هذه المعاني ولا هذه المخاطبة مع الله – لا مع غير الله ولا مع الأكْمَه. فإن الواصل إلى هذا المقام يعلم أنه ليس غير الله. وخطابنا مع مَن له عزم وهمَّة في طلب العرفان وفي طلب معرفة النفس، ويطرُؤ في قلبه صورة في الطلب واشتياق إلى الوصول إلى الله – تعالى –، لا مع مَن لا قصد ولا مقصد له.

فإنْ سأل سائل وقال: “قال الله تعالى: “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير” [الأنعام 103]، وأنت تقول بخلافه، فما حقيقة ما تقول؟”، فالجواب: جميع ما قلنا هو معنى قوله: “لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ”، أي ليس أحدٌ في الوجود، ولا بصر مع أحد يدركه. فلو جاز أن يكون غيرُه، لجاز أن يدركه غيرُه. وقد نبَّه الله – سبحانه وتعالى – بقوله: “لا تدركه الأبصار” على أن ليس غيره سواه، يعني لا يدركه غيرُه، بل يدركه هو. فلا غيره إلا هو: فهو المدرِك لذاته لا غير؛ فلا تدركه الأبصار، إذ <ما> الأبصار إلا وجوده. ومَن قال إنها لا تدركه لأنها مُحدَثة، والمُحدَث لا يدرِك القديم الباقي، فهو بعدُ لم يعرف نفسه. إذ لا شيء ولا الأبصار إلا هو. فهو يدرك وجودَه بلا وجود الإدراك وبلا كيفية لا غير.

شعر

عـرفـتُ الـربَّ بالـربِّ * بلا نَـقْـصٍ ولا عـيـبِ
فـذاتــي ذاتُـه حــقًّا * بـلا شــكٍّ ولا ريــبِ
ولا صـيران بينـهـمـا * فنفسـي مظـهـرُ الغيبِ
ومنـذ عـرفتُـه نفسـي * بـلا مَـزْجٍ ولا شَــوْبِ
وصـلتُ وَصْلَ محبـوبـي * بـلا بُـعْـدٍ ولا قُــرْبِ
ونلـتُ عطـاءَ ذي فيـضٍ * بـلا مـنٍّ ولا سَــلْـبِ
ولا فـنـيـتْ له نفـسي * ولا يـبـقــى لـه ذوب

فإنْ سأل سائل وقال: “أنت أثبتَّ الله وتنفي كلَّ شيء، فما هذه الأشياء التي تراها؟”، فالجواب: هذه المقالات مع مَن لا يرى سوى الله شيئًا. ومَن يرى شيئًا سوى الله فليس لنا معه جواب ولا سؤال؛ فإنه لا يرى غير ما يرى. ومَن عرف نفسَه لا يرى غير الله، ومَن لم يعرف نفسه لا يرى الله – تعالى –؛ وكل إناء يرشح بما فيه. وقد شرحنا كثيرًا من قبلُ، وإنْ نشرح أكثر من ذلك فمَن لا يرى لا يرى ولا يفهم ولا يدرك، ومَن يَرَ يرَ ويفهم ويدرك. فالواصل تكفيه الإشارة، وغير الواصل لا يصل، لا بالتعليم ولا بالتفهيم ولا بالتقرير ولا بالعقل ولا بالعلم – إلا بخدمة شيخ فاضل وأستاذ حاذق وسالك ليهتدي بنوره ويسلك بهمَّته ويصل به إلى مقصوده، – إنشاء الله تعالى.

وفَّقنا الله لما يحب ويرضى من القول والفعل والعلم والعمل والنور والهدى، إنه على كلِّ شيء قدير وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى على سيدنا محمد وآله وصحبه المحبِّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

لا يُثبَت الشيءُ الا بضدهِ: الرفض, القبول و طرق توظيف اللغة

 

مع نهاية السنة الجارية يبدأ الناس بتقييم خبراتهم و مكتسباتهم التي حصلوا عليها خلالها, فمنهم الذي انحدَر و منهم اللذي بزغ و ارتفع, و منهم من يرى كونه بغيضاً و جافّاً و اخر يراه جميلاً و مليئاً بالسعادة لكنني لن اتكلم عن الفرق بين الشخصين في هذا النص, بل سأشير الى الزامية تغيير المنظور الاخير (الفرد المتشائم) و توجيهه الى منظور آخر. ذلك لأنه لن يرمي صاحبه الى الهلاك فقط, بل لأنه منظور مغلوط ايضاً! حيث ان غالباً ما يملك هذا  الفرد السلبي المتشائِم جفافاً في علم المنطِق و تقصيراً منه في معرفته لطريقة التعامل مع تفاصيل التجارب, مما ادّى الى توظيف عاطفته توظيفاً سيئاً و ادّى الى تخبطه مراراً و تكراراً في المحيط الواحد كنتيجة لهذا التوظيف السيء.

اذاً فالفرد المتشائم و السلبي هو فقط كذلك لانه لا يملك منطقاً كافياً ليكون غير ذلك. اي اننا لو قمنا بتحسين و صقل منطق فهمنا للأشياء -من خلال المعرفة- فاننا سنغير شعورنا اتجاه تجاربنا, و بالتالي تحسين نتائج ادائنا المستقبلي. نحن بحاجة حقاً لفهم طريقة وقوع الاشياء في بيئتنا المحيطة, و لفهم ذلك يجب ان نتقبلها اولاً, فاذا قبلناها سمحنا لانفسنا الانتقال الى المراحل التالية. اي انك كيف ستغوص في موضوع ما و انت لا تقبله! او انك توظف عاطفتك ضده و عكسه فتشد انت و يشد هو الاخر عكسك, اذا فلابد من قبول الاشياء للبدء في ادراك تفاصيلها (القبول هو بداية المعرفة).

فاذا امتلكنا قدرة القبول, بدأناها بتقبل المشاكل و المسائل و المصائب وما كان في هذا المنحنى من تفاصيل اخرى, و بدأنا بالاستفادة منها عوضاً عن المشادّة بيننا و بين عواطفنا السلبية اتجاهها, اصبحنا افراداً نجني الخبرة و المعرفة بدلاً من ان نجني الأرق و الفشل.

و لفهم الموضوع اكثر, هناك قانون لطيف يقول: لا يُثبَت الشيءُ الا بضدّهِ, اي انك لا تستطيع اثبات شيءٍ الا بتمييز عكسه و ما كان في مقابلته. فلن تدري مالسعادة الا اذا قمت باختبار الحزن, ولن تعلم شيئاً عن الصباح ان لم يكن هناك غروبٌ عند نهاية يومٍ ما, و لن تنجح الا اذا عرفت ما ينتج عن الفشل, ولن تعرف شيئاً الا اذا كنت تجهله.  و ليس الضد ما كان في اثبات الاشياء فقط, بل ايضاً يخلق الفِكر الحر القادر على انتاج و خلق الابداع -اي انك قد تعلوا عن ما كنت تطمح اليه مسبقاً- و يستولد فِكرك هذا ما يلزم لجعلك شخصاً مبدعاً. يمكنك ان تساعد نفسك عبر النظر الى مشاكلك من منظور اخر, و لتنظر عبر المناظير الاخرى يجب ان تعلم بأنها موجودة اولاً, و ذلك عبر المعرفة.

المعرفة: كيف نستخدم اللغة؟

لنوظف اللغة يجب ان نفهم ماهيّتها اولاً, فاللغة هي الموروث الوحيد اللذي وصل الينا من الاجيال و المجتمعات السابقة. فكل كلمة في معجم اللغة الواحدة هو معجم يصف خبرات الشعب الواحد المتكلم بهذه اللغة. ذلك لان كل فعلٍ قد  وُجِد هو وصفٌ لعملية ما قام بها او ميزها احدهم, فكيف ستوجد صفة الصانع مثلاً ان لم يكن هناك فعل الصناعة؟؟. و هنا تبزغ اللغة العربية ايها الرفقاء, ذلك لانها لغة غنية و مليئة بالخبرات و التجارب! فنجد ان للكلمة الواحدة عشرات و احياناً مئات المرادفات و الاتضاد, مما يجعل فعلك للشيء الواحد يمكن ان يكون بالكثير من الطُرق, كل طريقة يصفها مرادف ما. مما يؤكد على اهمية تحديد هويتنا, و الاتجاه نحو تبنيها قلباً و قالباً فذلك سيخلق الوٍسع الكافي, و الزخم المناسب لخلق مجتمع مبدع للغاية, و ذلك باستخدام خبرات المجتمعات العربية السابقة. نستطيع ان نقرّب تمثيل هذه العملية (عملية المرادفات و الاتضاد) عبر هذا المثال:

المشكلة: يريد احد الافراد  ان يصبح مبدعاً
طبيعة المشكلة: يصبح مبدعاً. الهدف هو الابداع

    طُرق الوصول الى الابداع – اتضاد الابداع-: إخفاق, عَجز, خيبة, فَشَل, إتّباع, إحتذاء, إستخفاف, إهمال, إستهتار, امتثال, تقليد, حذو,مُحاكاه.

            طُرق تطوير الابداع بعد الوصول اليه-مرادفات الإبداع-: إتقان, إجادة, بَراعة, حذاقة, مهارة, إحداث, إختراع, إختلاق, إستنباط, تكوين, صُنع, إنشاء.

اي انك تستطيع ان تصل الى الابداع بعد ان تختبر الاخفاق, و تمارس الاستهتار ثم تفشل, و تبدأ بالاتبّاع و بالاحتذاء و الامتثال ثم تخيب! فيبدأ تكوينك بالبزوغ و يبدأ ابداعك بالنضوج قليلاً قليلاً. ثم تصل الى مرحلة ما تقرر فيها تطوير ابداعك, لتتجه نحو المرادفات فتبدأ باتقان عملك, ثم تجيده فتبرع فيه و تكسب مهارات جديدة, فتخترع و تختلق و تنشئ و تكوّن و تستنبط و تبدع!!

و على هذا فتجاربك السيئة هذا العام ليست سيئة حقاً, بل كل فشل خضته هو حقاً جزء من نجاح لاحق, و كل خيبة ملكتك هي نواة خبرة تكتسبها في وقت ما. قد يكون فهمنا لهذه المفاضلة الجميلة اثر كبير في حياتنا, حيث ستغير موقع نقدنا للأشياء من “خائض” الى “مشاهد”, مما يحقق لنا مساحة فكريةً جيدة بما يكفي لنكون افراداً فاعلين و منتجين. ان فهمنا لهذا القانون هو فهم ناتج عن المعرفة, و ليس هناك معرفة ان لم يكن هناك قبول! وتذكر ان سلبيتك المفرطة لن تعود عليك بالايجاب ان اصررت عليها, و ستجعل منك حتماً فرداً غبياً و متأخراً عن الوعي السائد حولك ذلك لأنك لم تستطع ان تقبل و ترضى في المقام الأول. و اكاد ان اكون متأكداً بأن استخدامنا لاساليبنا و كنوزنا المعرفية -من اللغة الى الثقافة ككل- بشكلٍ مناسبٍ سيجعل وصولنا الى قمّة العالم ممكناً يوماً ما .

 

توقيت العمل العالمي

من غير المعقول انه دوام الرسمي على الساعه 7 او 8 يكون بروتوكول عالمي، او من غير المعقول اجماع العالم على هيك موضوع. في تلاعب كبير، جرينتش و مركزيه التوقيت المنحازه و الغير علميه و غير دقيقه بتخلق نمط حياه معيا بتلخص بنمط حياتنا حاليا. القصد انه اي تلاعب في كيفيه فهمنا للوقت يؤدي بالضروره الى تلاعب في كيفيه ادراكنا للزمن، و كلنا منعرف انه الزمن من الرصائف الاساسيه في عمليه الحياه و التعايش عموما.
الفكره الاساسيه بتتلخص باختلاف الوقت في الصيف و الشتاء و تباين خيط الليل و النهار خلال السنه، مما يعني اختلاف المده الزمنيه الي بتغطيها الشمس و اختلاف درجه التغطيه. هاد التباين بتطلب نوع من المجاراه و المتابعه، المعنى من المجاراه هو تغيير اوقات الدوام اعتمادا على المعايير السابقه، و بالتالي مجاراه اوقات الدوام للتغيرات المناخيه و الفصليه و الزمنيه اللي بتطرأ خلال السنه، يعني ممكن يكون دوام الصيف 5 بينما الشتا 6 (مش نقدم و نأخر الساعة)، هاد النوع من المجاراه بمنح الانسان توافف طبيعي مما يساعد، بكل تأكيد، على زياده تعقيد حياه الفرد اليوميه، التعقيد -البسيط- هاد رح يجبر الفرد على متابعه اوقات الدوام يوم بيومه لانه كل يوم رح يزيد اوينقص مقدار دقيقه، زياده تعقيد و اجبار الفرد على ملاحظه هيك نوع من الفروقات بتنعكس بشكل مباشر على نمط حياه الفرد اليوميه، و بتنعكس كذلك الامر على طبيعه و نوعيه تفاعله و تعايشه مع باقي افراد بيئته، هذا الاختلاف و التباين ممكن يصنع فرد منتج فعال متحرر و متوافق مع الطبيعه، و هاد بالطبيع عكس النظام السائد حاليا، فالنظام السائد هو نظام استعبادي، الوقت فيه متحكم من قبل افراد زيي و زيك، عمليه تحكم بهالثبات بتخلق نوع من الاتكال و الراحه، بتجعل حياه الفرد ثابته بطريقه جموديه بتقيد الفرد و بتجرده من كثير حريات هو مش واعيلها بسبب نظام مماثل.
عمره ما كان التقدم بالثبات، الواقف ما بتقدم، عمليه التقدم بحاجه لتباين، تغير، و اختلاف. لكن للاسف هيك اسلوب تقدم مفقود لأسباب اغلب الظن انها تكون سلطوية..

فلسفة الصراع: جدلية الذات و بزوغ العالم المتقدم!

فلسفة الصراع: جدلية الذات و بزوغ العالم ليس الحديث بل المتقدم! 

صياغة المنهج

إن الجدل لغة هو ما فَتل بعضه بعضا، اما الجدلية (الدايلكتيكيّة) فهي افتتال عدد من التيارات البارزة بعضها الى بعض لتكوين عملية فكرية منطقية ينتقل فيها المحسوس الى معقول. وُجد مفهوم الجدلية بالاساس على يد افلاطون, حيث انه قال ان الجدلية هي التقسيم المنطقي التي توصِل الفرد عبر المفارقة و المفاضلة الى اكتشاف المعاني الاساسية المجرّدة اياً كانت و بأي اتجاه, فهي طرح اتجاهين متوازيين بعضهما من بعض في سبيل تجريد نتيجتهما و الوصول الى نقطة الانطلاق المشتركة. وقد تطورت الجدلية عبر العصور في فترة ما يسمى بعصر النهضة و التي خصّت اوروبا بشكل اساسي, حيث قام هيغل بإعادة تشكيلها بعد اطوحته بخصوص المثالية المطلقة و التي انتهجها من خلال تحديد مسيرة الفكر و الواقع عبر تفاعلات النفي المتتالي للطريحة و النقيضة*, و حلّ (كنتيجة للمفارقة) اشكاليات المتناقضات القائمة من خلال الارتقاء الى الشميلة*, تلك التي سرعان ما يجري تجاوزُها هي الأخرى، ومن نفس المنطلق. لم يكن هيجل اول من تكلم في الجدلية بالمنظور النهضوي، بل كانت، بحسب مؤسس علم الاجتماع الحديث ابن خلدون، مسجلة ضمن الفنون المعرفية الاساسية لدى المسلمين آن ذاك, بعيداً عن ظنون الفلسفة، الى جانب  النحو و الصرف و البلاغة. وقد طوّر ابن خلدون كذلك (و انطلاقاً من اطروحة افلاطون) الجدلية لتكون منهجاً في التعامل مع النصوص و الوقائع، ذلك بتجريدها من الاساطير و الخرافات بإعمال العقل و المنطق ومقارعة رواية باحثٍ ما برواية باحثٍ آخر. و استمر انتشار هذا المنهج المُطوَّر عبر الأمّة من محيطها الى خليجها من دون ان يكوّن اي نتائج كارثية كالتي حصلت في اوروبا في حروبهم العالمية.

الجدلية الواسعة: الطبيعة، الإنسان و الغيب
الجدليّة الضيقة: نفي النفي، وحدة تباين التناقض و من الكم الى الكيف!

و بعيدا عن تصورات النهضة الاوروبيّة, فهناك بالواقع جدليّة حقيقية واحدة فقط و هي جدليّة الطبيعة, الإنسان و الغيب! اما جدلية هيجل والتي اقتصّ منها ماركس (عبر منظور ضيق يسقط فيها سمو الذات المثالية الى مادّة ثم اقتصاد) ما يسمى بالجدليّة الماديّة (نتاج دمج الجدلية الماديّة لفيورباخ الى جدلية المثالية لهيغل) فستلعب هنا كجزء من الجدلية الواسعة فيما يسمى “الطبيعة”. و انطلاقاً من السابق قام ماركس بتأسيس ما يسمى بالفلسفة الماركسية والتي اعتمد في قنونتتها على ثلاثة اجزاء رئيسة وهي نفي النفي، تباين التناقض ومن الكم الى الكيف. حيث و بحسب نظرية لافوازيه فلكل صراع او تفاعل هناك نفي لمكونات هذا التفاعل, فتفاعل مادتين مختلفتين (او اكثر) يخلق مادة اخرى جديدة (او اكثر)، وقد يبقى بقايا للمواد الداخلة في التفاعل لكنها تبقى تحت مبدأ “التوازن الطبيعي”. فمثلاً في الكيمياء نجد ان اندماج الديتيريوم والتريتيريوم يفني الاثنين و ينتج الهيليوم مع انه قد يبقى القليل من احدهما كرواسب لم تتفاعل، مما يدل على صحّة المحاكاه و صحّة المنظور. اما عن القانون الثاني في التركيب الماركسي فيشير الى وحدة تباين التناقض، و للعلم، لم يكن قانون تباين التناقضات جديداً على المفكرين العالميين، فينسب مؤرخوا العصر الاوسط قانون تباين التناقضات الى المتصوفة من المسلمين، و الذين دائما ما اشاروا الى الزامية اثبات الاشياء بالنقائض كأسلوب نقد و تقصّي، فلا يُثبَت اليسر الا العسر، ولا العلم الا الجهل ولا يُثبِت القوة سوى الضعف، ولا النصر الا الهزيمة! وقد تناولنا هذا السرد سابقاً في ما سميناه بلا يثبت الشيء الا بضدّه، اما ماركس فقد اشار الى وحدة هذه التناقضات، فليس هناك شيء و ضده الا و كانا في محور واحد، كالأب و الابن مثلاً وحدة صراعهما المنزل، العامل و المدير وحدة صراعهما المعمل، و البرد و الحَر وحدة صراعهما المناخ، الى آخره. اما عن القانون الثالث في الجدلية الضيقة وهو التحوّل من الكم الى الكيف، و يشير الى ان التزايد التدريجي في التغيرات التي تلحق الكم، و التي تكون في اولها ضعيفة كبداية تفاعل كيميائي ما، تؤدي (عند وصولها إلى درجة معينة من التفاعل) إلى تغيرات تسبب وجود مايسمى بتغيير كيفية الشيء. و التحولات التي تطرأ في الكم تتم غالبا عبر فترات طويلة ومتقطعة، اما التي تحدث في كيفية الشيء فانها تتم دفعة واحدة. ومع ذلك فقد يحدث التحول البطيء بتداخل القديم مع الجديد دون الشعور بوجود تغيرات او تحولات. ان عملية التحول من الكم الى الكيف هي ببساطة عملية تراكم للكميات و اختزال لها ضمن زمن خاص بها لتتحول فجأة الى كيفية اخرى، وهذا الذي نراه واقعاً حولنا كثيرا مما يجعل المنظور الماركسي منظورا طبيعياً واقعياً للغاية, فهو سرد حقيقي لظواهر الطبيعة ضمن منظور واحد.

 اما عن الجدلية الواسعة فهي الطبيعة و الانسان و الغيب، و هي التي اوجدها المعلم المفكر محمد ابوالقاسم حاج حمد -احسن الله مثواه-، حيث اشار رحمه الله الى حتمية توازن الوجود عبر بُعدين الإنسان ثالثهما، فلم يقم بتجريد الانسان من انسانيته عبر تحويله الى مادّة و قيمة في اقتصاد احد المؤسسات، ولم يؤلّه الانسان عبر الجدلية المثالية الهيغلية، ولم يقم بإفساح المجال لخرافات و اساطير بابل و الهة الاغريق، بل اوجد حلاً يتوسط الاثنين اعتماداً على رؤية الاسلام الشمولية الزخمة بالمعرفة. و اعتمد في انشاء هذا المنهج على كيفية القراءة التي وردت في مدرسة الاسلام, وهي القراءة المسنودة الى شقين الاول القراءة في الغيب (إقرأ بإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق) والتي تعتمد على الارادة (النيّة/ سكون ما قبل الحركة)،  و الثانية القراءة في الطبيعة (اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم) والتي تعتمد على اثبات الارادة (العمل/ حركة ما بعد السكون)، و يدور الانسان بينهما و يتمحور و بالتالي يصبح قادراً على ان يُريد، و ان يقرر ماذا يريد وهذه هي الارادة الحرّة. إن وحدة تباين (الغيب و الطبيعة) هي الجدلية الرئيسة التي تشيأ منها الإنسان. فان نظرنا جيداً فسنرى ان هناك حقاً حريتان فقط، حرية القدر/وقوع الغيب (وهي المطلقة) و حرية الإنسان النسبية، و سنرى ايضا جبرية واحدة فقط وهي جبرية الطبيعة، اي اننا ببساطة لن نستطيع النفاذ من اقطار الطبيعة (يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم ان تَنفُذوا من أقطار السماوات و الأرض؛ فانفُذُوا!)  ولا من جبريتها الخاضعة للزمن، فتختفي حرية إرادة الإنسان النسبية في ظلها، و تتمدد عند اقترانها بإرادة وقوع القدر المطلقة، ان الذي يحدث حقا هو وحدة تباين الصراع بين هذه الحرية المطلقة و الأخرى الجبرية الطبيعية، و وحدة صراعهما الوجود، و الذي يبقى مكموماً حتى يبلغ كيفية نشأة الإنسان. فجعلت حرية الارادة في الإنسان حرية نسبية، نسبة جبرية الطبيعة الى ارادة القدر المطلقة. فيصبح الانسان على هذا مالكاً لقرارعمله مثلاً لكنه لن يستطيع تنفيذه الا بقيامه بالعمل (اداء حركي مقرون بزمن يقع فيه) بعد ارادته ذلك. و قد تناولنا مسألة تحول القرار الى واقع في هامِش السلوك و اللغة تحت ما يسمى بعملية التأسير.

ان هذه الجدلية، و أودّ ان ادعوها الجدلية القاسميّة، هي جدلية واسعة حقاً، فتستطيع بكل بساطة ان تبتلع مثالية هيغل و صياغات ماركس، بل تستطيع ان تبتلع كل ما يتكون من مادّة و خاضع للزمن. و تستطيع بالوقت ذاته ان تمتثل الى الغيب و الذي يسموا عبر الارادة المطلقة اوارادة كن فيكون, و يبقى على الإنسان ان يريد و يقرر، فقد اصبح الإنسان في ظل هاتين شيئاً قادراً على اتخاذ القرار، بالرغم من انه سيظل محتكما لما ستفرضه الطبيعة جبرياً من احداث طبيعية (صيف شتاء، ليل نهار، الآن اللاحق، السرعة التسارع، بقاء الطاقة الخ)، الا انه بالوقت ذاته سيظل قادراً على الشذوذ منها عبر اختياره و ارادته النسبية. وهذا ببساطة يبرر تكرار مسألة الدعوة الى الاخلاق والمعرِفة عند الانبياء، العارِفين، العالِمين و الصالِحين، ذلك لأنه الطريقة الوحيدة للصعود بالإرادة الى أعلى مستوياتها و التحرر من جبرية الطبيعة في سبيل حكمها حكماً يحافظ على وجودها و وجود الإنسان المرتبط بها، فكيف لشيءٍ ان يحكم آخراً ان لم يكن خارجاً عنه غير مرتبطٍ فيه؟

تكامل الجدال مستمر حتى الحقيقة المطلقة

 آدم ليس أول البشر، آدم أول الإنسان

إنطلاقاً من آدم و نحو العالم: الذات و التطور الاجتماعي في تقديرات القدر (خيره و شره)

 انطلق الخطاب الوجودي في التكوين الحاصل عند خلق آدم، فبدأ به و بدأت الجدلية الأولى عبر الإرادة المطلقة (اذ قال ربك للملائكة اني جاعلٌ في الأرض خليفة، قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها؟)، و استمر الخطاب الجدلي كذلك حتى تحول الى المستوى الفردي فأتمّ وجود آدم و علمه الأشياء كلها، وجعل كل شيء يسجد له تقديراً لعلمله الذي منحه و بهذا اقيمت الحجة الاولى و نشأت الجدلية الاولى. ثم تطور الخطاب ليشمل آدم و زوجه (ادخل انت و زوجك الجنة)  و بهذا تحولت طبيعة الخطاب من فردي (آدم لوحده) الى زوجي (آدم و حواء) و بدأت موازاة الرسالة في الظهور، عبر منع مساس الشجرة الذي على نسبية الارادة السابق ذكرها. و استمر الامر على ذلك حتى أُرسل في الارض نبياً (في الارض وليس على الارض)، وهنا نقول: كيف لآدم ان يكون نبياً ان لم يكن هناك من يبلغه بنوبته؟، فكان آدم نقطة التحول في صياغة السلوك الإنساني ليصعد بما يسمى بشراً الى اسمى درجات الوجود وهي كون المرء إنساناً، و كون المرء انسانا هو ايضاً كونه عالماً عارفاً على دراية بالحِرَفة و الخُلق قادراً على التفريق بين الشيء و ضده، وبين الشيء و مرادفه. ثم استمر الخطاب الغيبي ليشمل العائلة، فمنذ لحظة إيجاده في الارض توقف الخطاب الزوجي بعد ان كان عليه، و تحول الى آدم و زوجه و ابنائهما، وهنا تتم صياغة العائلة، و استمرت الرسالة ايضاً بشكل يوازي هذا التطور في الخطاب، تطورٌ في السلوك الإنساني عندما تعلم ابن آدم كيفية دفن الموتى عبر قصته المشهورة.

اذا و حتى هذه اللحظة نستطيع ان نرى ان الخط الزمني في الوجود مكون من جزئين، واحد للخطاب الغيبي في التكوين و الآخر في صياغة رسالة الإنسانية (الرسالة الإنسانية مكونة من شقين، الاول قبل نضجها برسالة الإسلام و الثاني بعد كونها كذلك). فكان الخطاب فردياً، فزوجياً، ثم شمل العائلة، و كانت الرسالة جدلية ثم تبليغية و توجيهية. ان اعدنا النظر من هذا المنظور فسنجد ان الخطاب لم يتوقف عند العائلة فقط، بل استمر حتى شمل القومية، فلم يعد الخطاب موجها فرديا ولا زوجيا ولا عائليا بل اصبح قومياً و بنونياً عبر تحول الخطاب الى قوم عاد و ثمود مثلاً، او الى بني اسرائيل، ولم تعد الرسالة بسيطة كما كانت بل تطورت الى الصناعة عوضاً عن الحِرفة، وذلك عندما تعلم النبي نوح صناعة السفينة الاولى بنفسه، وليس عبر خوارق او ما الى ذلك، و ايضاً عندما نظّم النبي يوسف عملية تخزين القمح و نظّم عمليّة توزيعه على الناس.

ان التوسع في الخطاب الغيبي هو توسع ايضاً في حرية ارادة الانسان، فالرسالة هي رسالة انسانية كما اسلفنا و الانسانية هي الحِرفة و السلوك، ولن تتم الا باكتمال حرية الارادة (النسبية) و اكتمال السلوك الإنساني (الاخلاق) بجانب الأداء الحِرَفي. تعددت الراسلات و تقدمت حى بلغت نقطة، دعونا نسميها نقطة انتصاف التكوين نقطة ما قبل نضج الرسالة، الا وهي النبي عيسى، فإن كان آدم قد خلق فيه بقدرة غيبية تامّة، فإن عيسى قد ولد بقدرة غيبية نصفية، فخلق في امّه من خلال قدرة غيبية منصّفة، وهنا يُرى و يؤكدّ على انتصاف الوجود الإنساني و اقتراب اتمام الرسالة و ظل ذلك قائماً حتى اختتمت الرسالة بإتمام مكارم الأخلاق و إتمام الإنسانية التي نعرفها اليوم عند بزوغ رسالة الإسلام في مكّة (المرحلة الأولى).

و بهذا تحول الخطاب الغيبي من القومية الى العالمية، و اكتمل التدرج من الفرد الى الزوج ثم العائلة فالقوم ثم العالم، ليكون حاضناً لكل ثقافة عرفته الإنسانية (كانوا الناس امّة واحدة فبعث الله النبيين) و موحداً لكل رسالة ارسلت الى الأمم، ومُكمّلاً للإرادة و متمماً لأساسيات الإنطلاق العالمي من الخلق الى الحِرف الأساسية و الصناعة ليقود الرسالة و يقود العمل نحو ارتقاء يتلخص بإيجاد القرآن، فكان اول كتابٍ يطبع و يُنشر على مستوى العالم بأسلوبٍ إداريٍ مؤسساتي، و كان ايضا موحدا للفكر عبر أسره من فكر مجرد الى فكر مقيّد و سر تقييدهِ عمليه الكتابة و التي تؤول جبراً لتتلخص في كونها عملاً اقيم في ظل الزمن باستمراريته، ومن هنا بزغت القراءة الثانية (القراءة بالقلم: قراءة الطبيعة) و تطورت العلوم و التقنيات عبر نموٍ مُطرِّد* لتصل الى المرحلة التي هي اليوم.

ان اتمام الرسالة و تحولها الى العالمية، يعني اضطراراً ان تشمل العالم كله، و الشمولية العالمية لا تتم الا عبر مراحل و بشكل تدريجي حالها حال اتمام الرسالة من ادم الى العالم، وفي هذه المرحلة تبزغ الشمولية العالمية على جزئين، الاول كان من الصين شرقاً مروراً بخرسان و روسيا شمالاً فجبال طوروس و بلاد النهرين و الهلال الخصيب ثم تنشق الى مصرجنوبا لتتوغل غرباً حتى جبال اطلس و قمم التوبقال، وتستمر بالقسطنطينة شمالاً فتتوغل بالحال ذاته غرباً عبر قرى ايطاليا و مدن فرنسا نزولاً الى الاندلس ليلتقي الجميع على مضيق طارق، وفيها بدأ اول تجمع فكري عالمي في العالم، منزهاً للفكر و محافظاً على دقّة نقل نصوص لتصل الى ما سيسمى لاحقاً بعالمية الاسلام الثانية وهي الجزء الثاني، و التي ستشمل العالم كله شِبراً شِبراً طبقاً للمنهجية العقلية السابقة.

صراع المنطقة: اعادة تشكيل العولمة نحو العالم الحديث، بل المتقدّم!

لقد ادّى رواد العالمية الاولى مهمتهم على اكمل وجه، فبالرغم من اتلاف التتار لـ300,000 مجلد خُطّ باليد في بيت الحكمة في بغداد عام 1258م، (حتى ان مياه الدجلة بقيت سوداء ستّة اشهر من كثرة ما رمي فيها من الكتب و المخطوطات)، و بالرغم من حرق 3,000,000 كتاب من مكتبة الفيحاء في قلعة المسلمين طرابُلس، و بالرغم من اتلاف 1,600,000 كتاب من مكتبة القصور بالقاهرة ذلك عدا عن ما كان في الشرقاً في مكتبة مراغة بأذربيجان و عدا عن ما كان غرباً في مكتبة الحَكم في قرطبة والتي اتلف فيها ما يزيد عن 600,000 كتاب اندلسي. ولن اتطرق الى ذكر المسروقات و المنهوبات من كنز المسلمين الثقافي، ان كان ما اخذه دافنشي او ما اخذه نيوتن من غير ذكر المصادر و المراجع، ولن اتطرق الى كولمبوس و معضلة اكتشاف مكّة او ما يسمى بأمريكا حالياً، بل سأكتفي بالإشادة على ما قدّمه المسلمون من حفاظٍ على كنوزهم و علومهم و نصوصهم ليصلنا اليوم جزءاً يسيراً تحت كثيرٍ من العدل و قليلٍ من الظلم في بعض الاحيان، ذلك بالرغم من كل هذه الاجهاضات التي عانت منه الأمّة خلال رحلتها المقدرة بمئات السنين.

ان ما لا يعلمه الكثير، ان انتهاء العالمية الاولى هو اختزال حقيقي لتكوين ما سيكون في العالمية الثانية، فحسب ما اسلفنا سيتحول الكم الى الكيف، و سيثبت الشيء ضدّهٌ، ليتحول العالم من الحداثة الى التقدم امتثالاً لصيرورة الطبيعة و مطلق الغيب، فاذا كانت الحداثة (وهي فكر متناقض) تشير الى المساواه بين الافراد جميعا بغض النظر عن دينهم و فكرهم و اصولهم تحت راية قومية واحدة (تناقض مساواة العرق بجانب ابراز القومية)، فالعالم المتقدم سيضمن المساواة طبقاً لإختيار الفرد وليس لموقع ولادته، و سيقبل بثقافة العرق ايا كانت تحت غطائه. العالم القادم هو عالم يعتمد الفكر ولا يعتمد القومية، يعتمد العمل ولا يعتمد (حسن نيّة) الفرد بذلك، ويظل حتى يكون عالماً متقدماً لا حديثاً، فائقاً لا متطوراً.

ان تمادي و تفاشي الصراع، و تلويث الفكر و توجيهه في العصر الحالي يجعل من الفرد المسلم و الفرد المسلم العربي متضارباً بين التناقضات، كارهاً لهويته، ماقتاً على الواقع، لا تفتكه حتى تراه يشير الى بشاعة اللحظة في كل آن و في كل لحظة، فيضطر الى معانقة الواقع الحديث، فيشوه بذلك طبيعة الهوية لديه، ولا يبدع من لا يملك الهوية فالهوية هي طريقة الابداع، ولا يعلو من كانت القوة همه. فهو فردٌ يريد الثروة في عالمٍ من يملك المال فيه حقاً لا يتجاوز الـ1% منه. ان صراع التناقضات هذه سيجعل التحول من الآن الى القادم تحولاً جذرياً و سريعاً و مباغتاً، يعيد في تشكيل نفسية العالم من حديثة مشتتة، الى متقدمة متأكدة و موقنة، يملك فيها كل العالم ثروة العالم وليس عائلة في مؤسسة، او مجموعة في الادارة التنفيذية. -انتهى

———-

احمد محمد

مفاتيح،

النقيضة: Thesis

الطريحة: Antithesis

الشميلة: Synthesis

نمو مضَّرٍد: Exponential Growth

كان- سار- صار: Be- Process- Become

الهوامِش،

*الصيرورة هي

 المراجع،

1.هيجل: موسوعة العلوم الفلسفية، د.إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير، 1983

2.العالمية الإسلامية الثانية: جدليّة الغيب و الإنسان و الطبيعة، محمدابوالقاسم حاج حمد، دار الساقي، 1979

3. في ضوء فلسفة العلوم المعاصرة، د.محمد العاني،2012

4.The Making of the Modern Mind, John Herman Randall, 1926. ترجمة د.جورج طعمة، 1976

5. ضياع أكثر من عشرة ملايين كتاب من الأمة العربية الإسلامية خلال 13 قرناً، د.منصور محمد سرحان، 2012

6. تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان، 1997

7. Half of world’s wealth now in hands of 1% of population,Jill Treanor, 2015

المصادر،

1. القرآن الكريم

 

 

ملاحظات إبريل

ملاحظة لي:

 

يجب ان ادرس الذات على الواقع الذي انا عليه وليس الواقع الذي اريد ان اكونه

المعرفه التي اراكمها عن الذات هي من الماضي دائما، العقل الذي يأخذ على عاتقه الماضي هو عقل فاشل حتماً.

التعلم بالذات يكون دائما حاضرا و المعرفه دائما ماضي متراكم، و اغلب الناس يعيشون في الماضي لذلك يؤلهون العلامه، الموهوب، و الفطن.

لا استطيع رصد الذات الا ضمن علاقه، الحياه بمجملها علاقه. اي انني لا استطيع ان ادرس ذاتي تجريديا، فانا لست كينونه مجرده.

الفهم ليس سياقاً فكرياً.

التعلم هو الان، في الحاضر، لا يتطلب معرفه مسبقه. يكفي استخدام الحواس، الاستنتاج و التحليل اللحظي. عمليه التعلم في اساسها لا تحتاج الى ماضي، لا تحتاج الى تراكمات معرفية.

اذا قلت انني اتعرف على نفسي تدريجيا، و اني اضيف دوما شيئا ما، فإني في الواقع لا ارصد ذاتي لحظه بلحظه كما انا عليه، وانما بما راكمت من المعرفه التي اكتسبتها. اي انني لا اقيس الان بل اقيس الماضي، اقيس مستوى المعرفه وعلى هذا ان يتغير!

يجب ان لا ينفصل الرصد العضوي عن الرصد الوجداني، هذه جدلية بسيرورة مستمرة.

عملية الرصد تحتاج الى عقل حر، وليس عقل يتفف مع هذا و يختلف مع ذاك

شيء ما يختفي.

-اتجد هذا جيدا؟؟
-لا ادري، للعويل صوت مزعج لا يكاد ان يفارقني.
-ماذا تريد اذا؟
-اريد الذهاب بعيدا
-قد لا يكون على الارض ملاذ لك في هذه الحالة
سأذهب الى ااسماء.
-انه امر صعب
-لكني اخترق الاشياء عادة، انني رجل خارق لا اكاد مس الشيء حتى ان املكه
-جيد، اظنك تختلق هذا
-ايختلق اذا من ما لا ترى ولا تطيق
-ان بصيرتك قد اعمتك، قد لا اطيق ما ارى لكي ابصر مافيك
– البصيرة شيء عدمي، انا لا املك العدم
-لكنك تملك نفسك، نفسك شيء سرمدي نهايته انت و بدايته ذاتها. ارى ان ما بك قد ارهقك و اتعبك، و شل ملامح الفكر لديك، انه يسحقك و يمزقك. الا ترى فعل الوجود عليك؟
-الم اقل لك اريد الذهاب بعيدا
-مرة اخرى، الارض لن تحتويك
-اذا ما يحتويني؟
-انت
-انا؟
-نعم، نفسك تحتويك فقط!
-لم اعي هذا
-اقصد، خوارقك لن يمتصها سواك
-و ان لم اسطع امتصاصها
-قف و ابحث في داخلك على مساحة فارغة اخرى تملؤها
المساحات الفارغة تملؤنا، تيقن من ان فراغك اكبر من ما سواك، ليس لضعفك بل فقط لانك تبسط اكثر ببساطة. إنها علاقة طردية تزيد و ترتبط بما يربط الاخر، تحتكم لبعضها. انه السواد السرمدي يا رفيق! كن انت فيك انت و العالم يمتلئ فيك انت
-يأخذ نفسا عميقا-
يعيد الكرة.
-ما بك؟
-احاول التأكد من وجودي هنا الان، انك كالموت. تملأ كل فارغ بي فيك، سحقا لنزعة السيطرة التي تملؤك.
-مرة اخرى، ماذا تريد؟
-اريد التخلص من حادث الوجود الرهيب, لإنه و كأنني هنا عن طريق الخطأ. سألقي بنفسي ناحية المدى و انظر البصيرة عند الكرة الاخرى.

.
.

Why I’m Not “Good People”

Jenny's Library

I’m not a nice person.

I’m not a good person.

I’m not a kind person.

This isn’t to say that I don’t ever try to be any of these three things.  I do, especially the last two.

It’s more to say that, for me, surviving in this cissexist, racist, ableist, heteronormative, classist, often fucked up world of ours has involved rejecting the idea that “good” and “bad” are static states of being.  I will never be a “good person” because, to me, “good” is not something that you achieve.  It’s an ongoing process that never ends.

It is, in fact, almost impossible not to be doing bad things as well as good when you are human and therefore flawed.  Especially when you are part of a messed up system, as we all are.

This, to me, is why it’s important to call out bad behavior, or hurtful language, or even…

View original post 687 more words

PR إانساني.

اما الاصل في العلاقات الانسانية فهي حاجة الفرد ارضاء ذاته، فارضاء الذات و النفس حاجة و ليس خياراً يختار بإرادة او بحق الشخص عينه، في هذه الحالة و عموم الحالات نستطيع ان نصنف هذه الحاجة بالنقص و التشؤب.

اما من استطاع التغلب على هذه الشوائب و الحاجات ‘نسبياً’ وليس كلياً فلا كمال في هذا المأخذ على وجه العموم، فنستطيع ان نلقبه ب’الحكيم’ او بالغ الرشد و المعرفة عدا طبعاً عن كونه متفوقاً عن اشباهه الانسانيين بالضرورة.

نحيب ازلي.

نكتب احد جدران المنفى، نحادثه!
نتذاكر قصص قد مرت عليه
ازلت فيه!
تمر..
و نمر!
ولا ندري من يقف خلف هذا الجدار
ليسمع صوت نحيبنا، ليسمعنا!
ليذاكر نفسهم ذاتهم
طبعاً..
و قطعا!!ً
بنفس الموضع تماماً
كلمات باردة..بائسة!
او غضب تفجر يوماً
ومات بنفس اللحظة
بنفس اللحظة!

اللامنتمي

ما يشغل بال اللامنتمي هو عدم رغبته في ان يكون لا منتميا،
الا انه -وفي الوقت ذاته-لا بستطيع التوقف عن كونه لا منتميا!
لانه و ببساطة لا يريد ان يكون برجوازيا عاديا،
فلا يعد ذلك حلا صحيحة في هذه الحالة.
ان مشكلته هي.. كيف ينطلق الى الامام؟!!